||   أهلاً بكم في كتاباتي .. زُواراً وقُرَّاء ... مع خواطرَ وذكريات .. مقالات وحكايات ..صور وتسجيلات ..أسئلة وإجابات..مع جديد الاضافات ، أدونها في هذه الصفحات .. مصطفى مصري العاملي   ||   يمكنكم متابعة البرنامج المباشر أئمة الهدى على قناة كربلاء الفضائية في الساعة السابعة من مساء كل يوم اربعاء بتوقيت كربلاء .   ||  

حكمة الساعة :

قَالَ علي (ع)الصَّبْرُ صَبْرَانِ صَبْرٌ عَلَى مَا تَكْرَهُ وَ صَبْرٌ عَمَّا تُحِبُّ .

البحث في الموقع :


  

الكتب :

  • كتاب رحلة في عالم الصلاة
  • كتاب رحلة في عالم الصلاة
  •  مناسك الحج والعمرة مع شرح وملحق استفتاءات
  • الطهارة مسائل واستفتاءات
  • كتاب التقليد والعقائد
  • شرح منهاج الصالحين، الملحقات الجزء الثالث
  • شرح منهاج الصالحين، المعاملات الجزء الثاني
  • شرح منهاج الصالحين، العبادات الجزء الاول
  • رسائل أربعين سنة

جديد الموقع :



 علي عليه السلام في القرآن ج10 - الحلقة 247

 علي عليه السلام في القرآن ج9 - الحلقة 246

 علي عليه السلام في القرآن ج8 - الحلقة 245

 علي عليه السلام في القرآن ج7 - الحلقة 244

 علي عليه السلام في القرآن ج6 - الحلقة 243

 علي عليه السلام في القرآن ج5 - الحلقة 242

 حسين مني.. في مصادر المسلمين

 منطلقات النهضة الحسينية

 هل يعقل الثواب العظيم على الصلاة على محمد وآله؟

 ماذا تعني صرخة يا حسين ؟ الحلقة 001

 المرض القاتل؟

 علي عليه السلام في القرآن ج4 - الحلقة 241

 علي عليه السلام في القرآن ج3 - الحلقة 240

 علي عليه السلام في القرآن ج2 - الحلقة 239

 علي عليه السلام ومبيته على فراش النبي (ص) ج8- الحلقة 237

مواضيع متنوعة :



  صلح الامام الحسن عليه السلام ج1- الحلقة 42

  رحمك الله يا أم أحمد

 هل اسامح؟

 الوقت الطبيعي لتزويج الأبناء ج 1 - الحلقة 1

 علي في حجر النبي ج2 - الحلقة 219

 تشريع النبي (ص) وتشريعات الخليفة الثاني ج11 - الحلقة 150

 شاب في أوروبا يطلب النصيحة - الحلقة 28

 وازدانت مدينة قم الليلة بالأنوار

  ماهو حكم سماع الأغاني أو المواوويل العراقية؟

 وصايا شيخنا المرجع الوحيد الخراساني في العطلة الصيفية وفي شهادة الزهراء (ع)

 الطاعة وبطلان العمل - الحلقة 15

 موقف الصحابة من الخليفة الاول ج 1- الحلقة 46

 علي عليه السلام ومبيته على فراش النبي (ص) ج7 - الحلقة 236

  رحمك الله يا شيخ موسى أحييت ذاكرة الايام

 هل تقرر إعدام لبنان؟ ( الحلقة الاولى)

إحصاءات :

  • الأقسام الرئيسية : 3

  • الأقسام الفرعية : 30

  • عدد المواضيع : 500

  • الألبومات : 5

  • عدد الصور : 36

  • التصفحات : 2649539

  • التاريخ : 24/11/2017 - 20:26

 
  • القسم الرئيسي : كتاباتي .

        • القسم الفرعي : خواطر .

              • الموضوع : في ذكراك اختاه الشهيدة .. غٌم َّالهلال .

في ذكراك اختاه الشهيدة .. غٌم َّالهلال

 في ذكراك اختاه الشهيدة .. غُمَّ الهلال.

 قبل ثلاث سنوات خاطبتك اختاه الشهيدة في مقال قلت فيه:
 في ذكراك اختاه الشهيدة .. ننتظر الهلال..فهل نراه؟؟

http://www.kitabati.net/subject.php?id=61 

واليوم أعود لأخاطبك قائلا..
في ذكراك اختاه الشهيدة .. غُمَّ الهلال.
من أين أبدأكِ أختاه الكلامَ..
عندما تسبقُ الدمعة الفكرةَ ، تتلعثم الاصابع التي تحكي الكلمات ..

بالامس جفاني النوم حتى قبيل الفجر .. فكان نومي كبوة سرعان ما استيقظت بعدها لصلاة الصبح ..
لم تطل كبوتي يا اختاه في هذه الليلة .. ولكن هل تعرفين في أي كبوات نعيش بعد تسع وعشرين عاما على رحيلك؟
بعد صلاة الصبح تسللت قبل شروق الشمس من باب ما اعتدت الخروج منه كما يفعل بعض الساكنين..
أخبرتك أختاه أني اسكن في الطابق الثالث ، فوالدك ووالدتك في الطابق الارضي حيث كنا معا، وحيث كان البيت الذي تعرفينه.. والذي  يفصلني عنه بيت  شقيقك التوأم.. فيما يسكن شقيقك الاصغر في الطابق الاعلى.
  تسللت أختاه من ذاك الباب الذي يستعمله الساكنون في الاسفل منا وبعض الساكنين في الاعلى، دون أن أمر عبر منزل الاهل كما أفعل في كل حين..
ليس من عادتي ولا من عادة أحد من أولادي بل وحتى من احفادي الخروج أو الدخول من ذاك الباب إذ أن الطريق عندنا لا بد وأن تمر عبر غرفة الوالدة.. ومكتبة الوالد..
تسللت اليوم من ذاك الباب لأني اريد ان أعيش اليوم خارج دائرة الزمن الحاضر.. فوالدك لا بد أنه قد خرج باكراَ ليلقي همومه في البحر العميق.. ووالدتك لا تزال في غرفة نومها تتهجد قبل ان تنتقل الى غرفة الجلوس لتبدأ في ختمة جديدة للقرآن الكريم بعد أن أنهت خلال شهر رمضان امس الاول سبع ختمات تخصك بثوابها قبل ان تشرك معك أحدا من الأحبة الراحلين....
ما أكثر من رحل من الاحبة.. هل الراحلون أكثر.. أم المنتظرون؟
مشيت نحو مرقد الأحبة الراحلين.. ألتفت الى المبنى المجاور الذي كان يومها أعلى البيوت ونظرت آثار الرصاص الذي لا يزال ظاهرا بالنسبة لي رغم ترميمه وصبغه..إلا أن أصوات تلك الطلقات لا تزال ترن في اذني رغم مضي تسع وعشرون سنة.. وآثارها ظاهرة أمام عيني..
أكملت طريقي لألمح في نهاية الشارع شيخا قادما باتجاهي..
من يا ترى هذا الشيخ الشاب القادم تجاهنا قبل شروق الشمس ويحمل بيده كيسا..
هل هو زائر آت لملاقاة الوالد؟ ام ماذا؟ وما الذي أتى به في هذا الوقت؟
لحظات وتظهر لي ملامح هذا القادم.. إنه الاخ الاصغر.. يا أختاه..
سألت نفسي قائلا..أين كان أخي في هذا الوقت المبكر؟
هل سبقني الى الجبانة وقرأ الفاتحة ثم عاد؟
إنه لا يلبس ثوبه الكامل بل دشداشة بيضاء ويضع فوقها العباءة..
هل سبقني بُعيد صلاة الصبح بعد أن تذكر أخته وهو الذي كان بالكاد يتجاوز طوله في يوم المعركة طول البندقية التي كان يحملها.. ويحمي المنزل من الجهة الخلفية؟
هل استشعرَ فعل الندامة عما كان يريد الاقدام عليه هذا اليوم من عقد قران ابنه الثاني؟
منذ عشرة أيام تقريبا او يزيد كان أخي يخبر والدتي عن موعد عقد قران ابنه، وانه في يوم الاحد الذي يلي عيد الفطر، فأجابه ابني الذي لا يعرف عمته الا من خلال الصور التي اطلعه عليها، ولكنه ذكرى الشهيدة فاطمة يا عمي..
يتريث قليلا قبل أن يجيبه قائلا: نقرأ لها الفاتحة..
انزعجت عندما عرفت بذلك ..
وكتمت غضبي ثانية منذ أيام عندما كان أخي يخبرني وانا معه في السيارة عن موعد عقد القران .. فتجاهلت الكلام كأني لم اسمع إخباره لي ولا دعوته قائلا في نفسي .. لن أتكلم بل سأكتفي بأن يكون كلامي عمليا ومن دون تصريح..فإن عاتبني عندها سأسمعه ما يجب أن يسمعه..
قبل اكثر من اسبوع جاء ابن عمي ليطلب مني عقد قران ابنه بعد العيد، فقلت اهلا وسهلا على ألا يكون في اليوم الثاني عشر من شهر ايلول.. وابلغته السبب، فهل يمكنني أن احضر عرسا في مثل هذا اليوم؟
إن فرح الجدة بعرس حفيدها قد يتجاوز فرح أمه ، وما شاهدته من والدتي قبل أيام أثار استغرابي ، فاستفسرت منها قائلا .. خيرا أماه.. وهي التي لا تستطيع ان تخفي شيئا من مشاعرها إذ سرعان ما يظهر عليها الرضا كما يظهر الحزن..
قالت بلوعة .. ماذا أفعل..و كانت قد سمعت حديث ابني مع عمه قبل أيام ..
لا أريد ان احضر العرس في ذاك التاريخ، قلت لأخيك قدمه او أخره فقال .. نقرأ الفاتحة.. واذا لم أحضر فإنه ( سيزعل)..
اكتفيت بأن قلت لها.. بالنسبة لي فأنا لن أحضر..
وكان أن أعلن عن وفاة عمة والدة العريس.. فتأجل العرس الى موعد آخر..
وشاهدت البسمة على وجه والدتي وهي تقول الحمد لله ..على أن حصل التأخير القهري دون أن يحصل بيننا انزعاج..
فهل ذهب أخي ليقرأ الفاتحة بدل تلك التي كان يريد أن يقرأها في عرس ابنه ؟
اقتربنا من بعضنا أكثر.. وتساءلت في نفسي .. ما هذا الكيس الذي يحمله أخي؟
هل أخذ معه مصحفاً ليقرأ فيه سورة من القرآن الكريم؟..
ولكنه كيس كبير لا يحتاجه.. ولم يعد يفصلني عنه سوى امتار قليلة ، وعندها حصلت على جواب تساؤلاتي..
ها هو نعمة.. يأتي بسيارته ويتوقف بالقرب من اخي ليصعد معه في رحلتهم الى البحر..
إذن هذا الكيس في يد أخي من اجل البحر.. ولكنه هل ذهب وقرأ الفاتحة ؟ لست أدري.
   ***
أكملت طريقي بعد ان توقف نعمة ونزل من سيارته وسلم عليّ مستفسرا إن كنت ساذهب معهم الى البحر فاعتذرت ..
هنا المدخل الشرقي الذي يفصل المقبرة الى اثنتين.. مدخل الزياتة الفوقا..
هنا كان يكمن السر الذي غيَّر معادلة المعركة الطاحنة في نيسان من العام 1982..
لم يكن قد مضى على تلك المعركة التي رحلت بها فاطمة وابو سامي سوى سبعة أشهر.. وكانت الاستعدادات التي أعدها الشيوعيون والفلسطينيون قد بلغت حدا يكفي لاجتياح منطقة واسعة وليس للسيطرة على بعض أحياء بلدة كبلدتنا..
كانت خريطة المعركة التي خططوا لها بين يدي .. مستودعات الاسلحة.. أنواع الاسلحة الثقيلة والمتوسطة ..  ذخائرها ... مجموعاتها.. خططهم لاجتياح منطقة النادي الحسيني والجبانة والزياتة التي كان حلمهم بالسيطرة عليها بعد أن تم تدمير منزلنا في منطقة الحماري في المعركة السابقة ، فهدمناه لاعادة بناءه وبالتالي لم يعد بيتا مسكوناً..
لم أكن أجرأ لأخبر أحدا عن حقيقة تلك الاستعدادات وعن كمية الاسلحة والذخائر التي تم ادخالها الى انصار خلال الاشهر السابقة.. لأن ذلك قد يؤدي الى احباط عند البعض..
ولم أكن أثق بوعي البعض من الشباب بعد تجارب فاشلة لبعض منهم ممن كنت أظن انه يمكن الاعتماد عليهم.. خاصة من انقلب بعد مدة على عقبيه..
كان هناك شاب أتلمس منه وعيا زائدا وادراكا ولي ثقة كاملة به واستطيع ان اعتمد عليه وله تأثير على بقية الشباب..
إنه علي قبيسي، الذي سقط شهيدا بعد أربع سنوات من ذاك التاريخ على أيدي عصابات الغدر في مغدوشة بعد أن ابلي أيام الاحتلال بلاء حسناً..
اوصيت علي يومها قائلا.. ما أريده منك ان لا تترك منطقة الجامع ابدا عندما أكون خارج البلدة.. وفي كل الاحوال عندما تستشعر وضعا غير طبيعي وأن هناك معركة سيبدأها الاخرون – وهي حاصلة لا محالة – فما عليك الا ان توعز لجميع الشباب بإخلاء هذه المنطقة المعروفة بتواجدهم فيها والتقدم الى الامام لتأمين حماية الشارع بجوار الجدار الجنوبي للمقبرة..
ما اريده منكم ان تسيطروا على هذه المساحة الصغيرة فقط والتي لا يزيد طولها عن مائة وخمسين مترا.. والتي لا يمكن ان تطالها الاسلحة الثقيلة، وما عليكم الا منعهم من عبور هذا الشارع نحو المقبرة والنادي الحسيني والمسجد ..واتركوا منطقة حي الزياتة فارغة ، ولا تبالوا بكل أنواع القصف الذي سيطالها.. تمسكوا بحماية هذا المعبر الصغير وكونوا مطمئنين...
هذا كل ما أريده.. وهذا ما قام به علي قبيسي خير قيام في نيسان من عام 1982 مما غيّر من نتائج تلك المعركة..وانقلب فيها السحر على الساحر..
استذكرت كل تلك الصورة وانا اعبر ذاك الشارع لأصل الى الجبانة..ماراً بقبور جيرانك الذين افتقد الكثير منهم..
وشرعت أقرأ سورة يس..
سمعت يا اختاه حركة بالخلف مني.. يبدوا ان زائرة لبعض أحبتها قد جاءت المقبرة كما هي الحال معي..
وقبل أن اكمل السورة التفت وإذ بابنة خالك رجاء .. متشحة السواد تتقدم من ناحية قبر ابنها نحو قبرك لتقرأ لك الفاتحة..
لقد بدت صابرة اكثر من ذي قبل .. قبل أشهر وفي الشتاء الماضي فقدت ابنها البكر المهندس عماد في كارثة الطائرة الاثيوبية..
كان عماد بالنسبة لأمه حلم حياتها..
لقد انفصلت عن والده منذ سنوات وعملت بكد على تربية عماد وتعليمه وتربية اخوته.. تصنع قوالب الحلوى في بيتها لكي تطعم اولادها خبزا مجبولا بعرق الجبين..
رجاء التي كانت مدللة عند والدها.. وكان يعاتبها أحيانا من محبته لها.. وقسى عليها الدهر بعد حين..
 استذكرت أشهرا أمضيتها معهم في بيروت أيام دراستي ، سكنت معهم كأحدهم.. وصمنا شهر رمضان معا وكان من اصعب الشهور كما هو الحال في مثل هذه السنة.. كان ذلك منذ 33 سنة اي منذ 34 سنة هجرية..
هذه هي رجاء التي ذهبت اليها قبل اشهر معزيا ومصبرا على فقد فلذة كبدها بعد ان استشعرت  معه الامان والاطمئنان وظنت أن أيام المحن قد ولت عنها عندما قال لها : أماه سأعوضك عن سني التعب والمعاناة.. ها قد صرت مهندسا وأتقاضى راتبا محترما من خلال عملي في سفري، لقد انتج زرعك يا أماه و اثمر ، لن تحتاجي بعد اليوم ان تعملي لتكسبي قوتنا وقوت اخوتي.. انا ساقدم لكم كل ما تحتاجونه ..
ودّعها عماد في تلك الليلة الماطرة على أمل العودة قريبا ليعقد قرانه..
ولم يطلع الصباح الا على نبأ سقوط الطائرة في البحر.. فلم يطلع الصبح عليه بعد وداعه لامه التي راحت  لتنتظر اربعين يوما قبل ان يخرج الغطاسون بعض بقايا الجسد .. 
شاركتُ يومها مع والدي في الصلاة عليه وحثثتها على الصبر وأن تكون قوية على المصيبة..وها هي  في هذا الصباح الباكر تحدثني معتذرة عن تقصيرها بحق عمتها وتبدوا رابطة الجأش فيما لم استطع ان احبس دموعي المنهمرة.
عادت رجاء يا اختاه الى قبر ابنها بعد ان قرأت لك الفاتحة..
واكملتُ قراءة سورة يس.. وتلوت لكل واحد من جيرانك فاتحة..
هنيئا لك بهؤلاء الجيران الذين نفتقد حنانهم ومودتهم..
فجدتي الاولى عند رأسك وجدتي الثانية في الجهة الاخرى بجانب جدي.. وانت يا اختاه بين الجدتين..
على يمينك خالي وابنته  وأكاليل من الورد أحضرها اولاده يوم العيد ..
وعلى يمينه خالي  الاخر.. والد رجاء..وقبر تم تجديده..
توجهت الى الخلف قليلا .. لأواسي رجاء وأقرأ الفاتحة لابنها ... بينما كانت تقرأ له آية الكرسي..
التفتت الي قائلة.. كم تتغير حياة الانسان.. كنت في السابق اذا مررت نحو المقبرة أشعر برعشة واستعجل المغادرة.. وكأننا نريد أن نهرب..
أما الان.. فقد تغير الحال.. صرت هنا أشعر بالاطمئنان والسلام.. فلو بقيت طول الوقت لما استوحشت ولما انزعجت..
ابتسمت وقلت لها .. نعم هنا يشعر المرء بالاطمئنان مع أناس كما يصفهم الوالد بالقول: كنت عند أناس لا يستغيبون أحدا.. ولا يتكلموا بحق أحد..
نعم هنا يرقد عدد كبير من الاحبة.. بل أكثر الاحبة..
عرجت على قبور علي قبيسي ورفاقه وعدد ممن زرعوا اجسادهم في الارض لينعم غيرهم بما يحسبوه نصرا ورخاء..
سلمت على قبور عدد من الاقرباء والاصدقاء.. ومن نعرف ومن لا نعرف.. قرأت الفاتحة مجددا وخرجت بعد أن بدأت أشعة الشمس تتسلل من بين الاشجار نحو شواهد القبور المنتشرة المتجاورة..
لا شك يا اختاه انه لم يعد يفصلنا عن اللحاق بكم بقدر ما مضى عن فراقكم..
سنوات قليلة رحل فيها كل اولئك الاحبة في زمن كان فيه للحياة معنى وكانت هناك قضية.. وكان لبذل النفس أثر.. والجود بالنفس أسمى غاية الجود...
كانت تشد الجميع روابط الالفة و المودة .. كان الواحد يتألم لألم الاخر.. ويتحسس معاناته..كان فرحُ الواحد فرحَ الاخرين.. وحزنه حزنهم..
كان لرحيل الواحد لوعة وحسرة..
في ذاك الزمن فقدنا قتلا أكثر ممن فقدناه على الفراش مريضا.. فكان الألم مضاعفاً، والفراق أوجع..
لقد كان للحياة يا اختاه في زمانكم قيمة نفتقدها في زماننا اليوم..
لقد تغير كل شيء يا اختاه..
فلم يعد القريب قريبا.. ولا الاخ أخا.. ولا الاخت أختا.. ولا الصديق صديقا..
غدت تلك العناوين هياكل اسمية كما هي الهياكل البشرية في عالمنا المترهل والمحبط.. والمنتفخ كطبل فارغ..
غابت بهجة العيد التي كانت تجمع الاهل وتبدلت الى نمط آخر من السلوك يكفي في حسنه أنه لم يتحول الى مشاحنة أو مخاصمة  أو معاداة..
هل بقي شيء يتفق الناس عليه؟
في زمانك يا اختاه كانت الناس تسير ضمن منهجين.. ضمن خطين .. نهجين.. احدهما يستمد قوته من ثقته بالله.. فيبذل الغالي والنفيس ولا يبتغي سوى مرضاة الله..
 والاخرون يستعينون بشياطين الجن والانس..الذين يغدقون عليهم من كل حدب وصوب ويمنوهم وما يمنيهم الشيطان الا غرورا..
أما في زماننا.. فقد غدا التدين موضة .. والالتزام ديكورا .. والعمل مصلحة ومنافع ذاتية..
كثرت قصعات الثريد يا أختاه .. واختلفنا على كل شيء رغم كل تلك المظاهر البراقة الخادعة ...حتى غدا العيد عيدان.. 
 فماذا بقي لنا يا اختاه من ذاك الزمان..
في زمانك يا اختاه كانت هناك غيرة واخلاص.. وفي زماننا تنافر وحسد حتى على الميتة..
نعم أختاه .. احسدك وأحسد من مضى .. لأنكم رحلتم بعنفوان وكبرياء رغم ألم الجراح.. أما جراحنا يا اختاه في زماننا فهي آلم وأوجع..
هل تريدين يا أختاه أن أبثك بعض اوجاعنا.. ستتحسرين على حالنا.. ولكنك لن تنظرين كما ننظر فلك في عالمك منظار آخر لا نعرف ذبذباته.. او موجاته..
منذ شهر ونيف جمعنا الوالد واعظا وموجها وكان مما قاله:
      جراحات السهام لها التئام.... ولا يطيب ما جرح الكلام
لقد صعد الوالد الى منزلي ومعه أخي واجتمع بعض اولادي في ذاك الصباح بعد أن بلغه ما قلته لأخي..
نعم مما قلته لأخيك التوأم بمحضر والدتك...
لقد فقدنا فاطمة قبل تسع وعشرين سنة.. عندما قتلوها بالرصاص والنار..
واليوم نفقد فاطمة الاخرى بسبب ضعفك يا اخي..
فاطمة الاولى عانت لساعات وماتت واستراحت..
اما فاطمة الثانية .. فإن ألمها أكثر وأشد لأنها ستموت وهي لا تزال على قيد الحياة..
      ليس من مات فاستراح بميت.... إنما الميت ميت الأحياء
هذه هي حال أخيك المخدوع الضعيف يا أختاه..
عندما أدخَلَنا أخوكِ بعيد رحيلك الى بيت من بيوت الشامتين كان قد أوهم نفسه وأراد أن يوهمنا بأنه سيقطف وردة من حقل الاشواك..
وتناسى وصية النبي(ص) أن العرق دساس.. وسرعان ما بانت حقيقة القول: الحية لا تلد الا حية..
نعم يا أختاه ..لن أكشف المستور يا اختاه في هذه الخطاب .. فلربما جاءه وقت آخر.. و سأكتفي ببثك بعض الشجون عن زماننا الذي رحلت عنه باكرا..
أتريدين أن أحدثك عن أختيك.. اللتين كنتِِ لهما كوالدة حانية ؟ وكانتا يتقاسمان الفراش والغطاء..
هل تعلمين يا أختاه أنهما لم يفطرا معا طوال الشهر ولا لليلة واحدة؟
لقد صار ما  بينهما مرعى للغزال..
هل تريدين أن أحكي لك عنهما ... سأحتفظ بما أرى .. والتزم الصمت فهو أبلغ..
لقد غابت تلك الصورة التي كانت تجمعنا جميعا ونحن نتقاسم رغيف الخبز على مائدة الطعام.. ولم تبق منها إلا صورة على الورق تجمعنا واياك مع والدتك قبيل عودتنا من النجف الاشرف الى أنصار...
هذه صورة زماننا يا اختاه وهي ترتسم أمام ناظري عائدا من المقبرة ، لأرى والدتك قد جلست في غرفة جلوسها تقرأ القرآن ...فدخلت نحوها على مهل..
رفعت رأسها وقالت.. هل كنتَ على الجبانة ؟
قلت .. نعم .. قالت ها انذا أقرأ لها من هنا القرآن..
قبلت يدها واخفيت دمعتي وصعدت مسرعا الى منزلي لأجلس معك أختاه ابثك جشوني.. واذرف دموعا كما لم اذرفها في يومك من قبل .. وامضي اليوم في خلوتي اتحدث اليك..
وقبل ساعة من موعد بدء المعركة وساعة لقاءنا الاخير في هذا العالم .. يقطع علي تلك الخلوة زائر .. أخ لا شك أن تذكرينه جيدا..
انه الشاب الاسمر الذي قدم معي مع آخرين مساء ذاك اليوم من أيام اجتياح عام 1978 مساء 18 آذار..
 يتذكرك يا اختاه عندما وضعتِ لنا العشاء بعد تلك الرحلة..
في بلدتهم خرجوا يومها دورة تحمل اسمك.. إنه هاني سعد..
سألني قائلا.. ما بك .. لست على ما يرام..
أجبته بعد ساعة ذكرى المعركة ...
ها قد مضى النهار يا اختاه وحانت لحظة الذكرى الاليمة التي لا تنسى...
وأختم كلامي قائلا...والالم يعتصر فؤادي .. على أيام مضت .. ومن أيام نعيشها..
قد ينزعج الكثيرون من مقالتي اختاه... لكن لم أقل كل شيء..
نعم .. في ذكراك اختاه الشهيدة .. لقد غُمَّ الهلال... فهل سنراه ثانية؟
والى اللقاء..
 
 

    طباعة   ||   أخبر صديقك عن الموضوع   ||   إضافة تعليق   ||   التاريخ : 2010/09/12   ||   التصفحات : 4505



كتابة تعليق لموضوع : في ذكراك اختاه الشهيدة .. غٌم َّالهلال
الإسم * :
الدولة * :
بريدك الالكتروني * :
عنوان التعليق * :
نص التعليق * :
 

التعليقات (عدد : 8)


• (1) - كتب : .... من : .... ، بعنوان : نعم ليس الزمان كما الزمان في 2010/09/22 .

اللهم صلِّ على محمد وآل محمد

أشكرك لان لحروفك بلسم يطيب الجراح
و مرسم يطبعها نقطه على لوحة القلب فينبثق منها شعاع من الامل و نورا للهدايه
و مغنم لمن خشى الله بالغيب و وثق برب حليم

نعم لا ياخذ العلم من السطور و لكنه هنيئا سائغا يروي الصدور من الصدور


رحم الله والديكم ورحم الله أحبتكم و جميع موتاكم واموات المؤمنين والمؤمنات وحشرهم مع محمد و آل محمد الطيبين الطاهرين


(بسم الله الرحمن الرحيم * الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين * اياك نعبد و اياك نستعين * اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين )


حفظكم الله ورعاكم

• (2) - كتب : انا من : ولاية علي ، بعنوان : وصلت الرسالة في 2010/10/31 .

رحم الله الشهيدة لقد وصلت الرسالة وهي جدا بليغة

• (3) - كتب : محمد النجفي من : العراق ، بعنوان : تجديد ذكرى وعبرة في 2011/06/05 .

كنت عند أناس لا يستغيبون أحدا.. ولا يتكلموا بحق أحد..
نعم هنا يرقد عدد كبير من الاحبة.. بل أكثر الاحبة..
عرجت على قبور علي قبيسي ورفاقه وعدد ممن زرعوا اجسادهم في الارض لينعم غيرهم بما يحسبوه نصرا ورخاء...

قد يكون تعليقي يثير عندك الذكرى الاليمة
لكنني بكيت عندما قرأت هذه المقطوعة
لأنني عشت واحدة مثلها وأعيشها كل يوم

لقد غابت تلك الصورة التي كانت تجمعنا جميعا ونحن نتقاسم رغيف الخبز على مائدة الطعام.. ولم تبق منها إلا صورة على الورق تجمعنا واياك مع والدتك قبيل عودتنا من النجف الاشرف الى أنصار...

نعم كما قال والدك المحترم
جراحات السهام لها التئام.... ولا يطيب ما جرح الكلام
نعم قد ينزعج الكثيرون من مقالتك هنا ... لكنك بحق لم تقل كل شيء..

ليس من مات فاستراح بميت.... إنما الميت ميت الأحياء

شكرا شيخنا الجليل
ورحم الله الشهيدة وحشرها مع النبي وآله... الفاتحة

• (4) - كتب : عبدالله عاصي من : لبنان ، بعنوان : رحم الله الشهداء في 2011/07/16 .

رحم الله الشهداء - الشهيدة فاطمة ، الحاجة أم فهد ، الحاج ابا سامي وجميع الشهداء الذين زرعوا أجسادهم في الأرض .. دفاعاً عن كرامة هذه الأمة وإلى روحهم الفاتحة ..

(بسم الله الرحمن الرحيم * الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين * اياك نعبد و اياك نستعين * اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين )



• (5) - كتب : هي من : هنا ، بعنوان : hmmm في 2011/12/05 .

هل من الجيد يا شيخ انتقاد اخوتنا علناً ؟!
لا اعتقد ان ذلك سيداوي شيئا من الألم الذي تشعره بل سيزيد الانشقاق ..!


• (6) - كتب : الفقير من : لبنان ، بعنوان : للأسف! في 2012/11/09 .

بسم الله الرحمن الرحيم " يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن، إن بعض الظن إثم، ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه، واتقوا الله إن الله توابٌ رحيم" لقد نسيت أن تحدث الشهيدة رحمها الله عن أب لم يحضر زفاف أولاده، وهو مشغول بالكلام "نشر الغسيل" الذي يعتبر غيبة، يا فضيلة الشيخ !! لقد نسيت أن تحدث الشهيدة عن رجل هو الأكبر بين أخوته، وهو! الذي "يجب" أن يكون صلة الوصل بينهم، أن يكون اليد المساعدة لهم ، وقت الشدة! أن يكون الأخ الحنون !! والقلب الطيب .. ولكن للأسف.. للأسف!

• (7) - كتب : موسى من : لبنان ، بعنوان : إلى المسمى (الفقير) في 2013/01/01 .

الى المسمى (الفقير) أقول:
إذا لم يكن للأبناء إعتراض وكانوا يقدرون ما يفعل والدهم فما بال غيرهم فيما لا ناقة له ولا جمل ؟
ثم إن رمي الناس بالغيبة دون وجه معصية يحاسب عليها الانسان فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا.
أما علاقة الإخوة ببعضهم فإنها متينة بحمد الله، وإن تصور أحد غير ذلك فلعدم معرفته بطبيعتها وحقيقتها وعدم إدراكه أن أواصر الأخوة لا ينقص منها شِدَّة هنا أو حِدَّة هناك.. إذ الباعث على مثل ذلك المحبة والمودة.. وليس بعد العتاب بين الأحبة إلا صفاء القلوب بحمد الله.

• (8) - كتب : نجاة محمد عسيلي من : الكويت ، بعنوان : أختكم نجاة عسيلي في 2017/04/13 .

وقعت بالصدفة على مقالتكم أخي الكريم جانب الشيخ مصطفى المصري
لا أعرف ماذا أعلق على مقالتكم التي تفيض بالمشاعر الحانية التي قلما صادفت مثلها من أخ لأخته
لكنني لا أعجب من عذوبة مشاعركم تجاه أختكم الشهيدة المغدورة المظلومة بحيث من يقرأ يظن الكاتب هي أم رؤوم للمخاطبة في مقالكم .
فأنتما لستما أي أخ وأخت
أنتما الشيخ مصطفى والشهيدة فاطمة وأبنا المجاهد الشيخ محمد المصري
إن مقالتكم حركت مشاعر متلاطمة في نفسي
فرحي بأنني شعرت كما لم أشعر من قبل تجاهكم أخي الشيخ بالسنخية النفسية والروحية
واسمح لي بمناداتك أخي إن كانت تشرفكم أخوتي
وفرحت لبحر الوفاء الذي يتدفق من قلبكم قبل قلمكم
فالوفاء بات عملة غير مصروفة في يومنا
وحزنت لأنكم ووأنا معكم ننتظر ثار الله في فاطمة وبعد تسع وعشرين عاما أنتم تكتبون وأوضاعنا أسوأ وكأننا أو وكأن بعضنا أهرق الدماء الزكية لشهدائنا ، لا سيما وأنا اليوم بعد خمس وثلاثين عاما من شهادة الشهيدة فاطمة أقع على مقالتكم والوضع أسوأ .
ارتحت كثيرا لأنني وجدت من يشبهني
فأنا لا أفتأ أذكر شهادة الشهداء وأقر بالفضل لدمائهم الزاكية
بقيت نقطة أستميحكم العذر في ذكرها أخي
وهي أنني أشكر الحاجة فهدى عقيلتكم الفاضلة التي لا تنسى ذكر الشهيدة فاطمة في كل مرة نتشرف فيها بالتبرك بزيارة منزلكم العامر بإذن الله تعالى
اقبلوني أختكم في ذكرياتكم
فما قادني اليوم لمقالتكم الكريمة هو استحضاري لشهادة محمود وهبي وشهيدتنا فاطمة




كتاباتي : الشيخ مصطفى محمد مصري العاملي ©  www.kitabati.net     ||    البريد الإلكتروني : mostapha@masrilb.net    ||    تصميم ، برمجة وإستضافة: الأنوار الخمسة @ Anwar5.Net